دمج الأندية الأدبية مع فروع جمعية الثقافة والفنون في "مراكز ثقافية" في المدن الكبيرة والصغيرة، بل حتى في القرى والأحياء، هي فكرة قديمة جديدة، لا يزال المثقفون والأدباء والفنانون يتداولونها ويناقشونها، إما بسبب تسريبات عن دراسة رسمية لهذا المقترح، وإما استشرافا لمستقبل أفضل ومللا من واقع رتيب وطلبا لآفاق ثقافية جديدة، وفي كل الأحوال فإن فكرة المراكز الثقافية هي فكرة مطبقة بنجاح في البلدان العربية الشقيقة منذ عقود، لذا فإنّ معظم من استطلع "الجسر الثقافي" آراءهم من المثقفين أيدوا فكرة الدمج وإن تباينت مبرراتهم في التأييد، إلا أن بعض المشاركين عارض الفكرة وله مبرراته التي سنطلع عليها فيما يلي..

سابق لأوانه

في البدء، يوضح الأديب والقاص محمد الشقحاء أنّ أساس المشكلة هي أن الأندية الادبية مؤسسة لها هدف معين جرى تجاوزه مما افقدها الخصوصية الأدبية. ويضيف: المراكز الثقافية اليوم مطلب ملح يرسم معالم الحياة في المدن وحراك الناس وهو مكان وعي بالهمّ الاجتماعي والثقافي العام.

أنا مع الغاء جمعية الثقافة والفنون اذا وجد المركز الثقافي ومثال ذلك مركز الملك فهد الثقافي بالرياض الذي اقتصر نشاطه على المناسبات.

بينما لو استلمت وزارة الاعلام تفعيله بكل النشاطات الثقافية من ادب وفنون شعبية وغيرها لكان أجدى فمكونات المبنى تستوعب كل الانشطة الانسانية.

الدراسات النظرية المكرسة للثقافة بشكل عام حتى اليوم لم تنتج الصيغة التي نرتاح لها ونعمل عليها. وبالتالي دمج النادي الادبي وجمعية الثقافة والفنون في مركز ثقافي سابقة لأوانها علينا اولا تشكيل ادارة المركز وبعمل برامج العمل.. اذا وصلنا لهذه النقطة نشعر بالأمان.

التأييد يأتي بعد اعتماد المركز بناء وادارة. ولم لا يضاف للسؤال نادي القصة السعودي الذي تبرأت منه جمعية الثقافة والفنون ورفض النادي الادبي استقباله. وهذا النادي الموقوف حري اليوم ان يجد غرفة او جناحا بمركز الملك فهد الثقافي بالرياض وتشكيل مجلس ادارته لمزاولة نشاطه.

الساحة الثقافية غنية بحراكها الذي حتى اليوم لم تقم وزارة الثقافة والاعلام بتبنيه ورعايته.

فصل تعسفي

في حين يرى الأديب والقاص محمد ربيع الغامدي أنّ الفصل بين الأدب والتشكيل والتصوير والدراما هو "فصل تعسفي". ويقول: يزداد الأمر غرابة عندما نضع الثلاثة الأخيرة منها تحت مظلة الثقافة فنستثني الأدب وكأن لا صلة له بالثقافة.

هذه كلها أنشطة وجدانية تتمايز عن بعضها في أدوات التعبير فقط ولكنها تصب جميعها في نهر ثقافة الوطن. وبما أنها اشتغالات تسهم في تكوين المنجز الثقافي للوطن فمن الحكمة ان تكون رعايتها تحت مظلة واحدة ولذلك أنحاز بقوة لفكرة المراكز الثقافية وأتمنى التعجيل بها وتعميمها على كل محافظات الوطن.

تمازج وانسجام

وتحدّث الإعلامي علي ابراهيم خواجي عن الانسجام والتكامل بين الأندية الأدبية وفروع جمعية الثقافة والفنون وقال: الأندية الادبية تقدم خدمة كبيرة للأدباء من خلال البرامج الثقافية والامسيات الشعرية والقصصية التي تنفذها؛ وكذلك المطبوعات الادبية؛ حيث نرى التنافس الكبير بين الاندية الادبية في هذا المجال؛ وكذلك جمعيات الثقافة والفنون تقدم دورا كبيرا في خدمة الفنون الشعبية والتشكيلية والموروث الشعبي؛ وهناك عدد من العوائق التي شاهدناها تطفو على السطح من خلال الخلافات بين أعضاء المجالس في الاندية الادبية مع الجمعيات العمومية؛ وقلة الدعم المادي الذي تعاني منه جمعيات الثقافة والفنون؛ فأصبحنا نشاهد عددا من فعاليات جمعيات الثقافة والفنون تنفذ على مسارح الاندية الأدبية؛ فهذا التمازج والتناغم بين الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون يجعلنا نؤيد دمج الاندية الادبية مع جمعيات الثقافة والفنون تحت مظلة المراكز الثقافية؛ وتهتم بكل الفنون الثقافية تحت مظلة واحدة؛ من أجل أن يتحقق النجاح لكل الفعاليات الثقافية؛ ويتوسع اهتمامها بطباعة الكتب الثقافية والعلمية وإقامة الأمسيات الشعرية والقصصية والاهتمام بالموروث الشعبي؛ فهذا الاقتراح سيعود بالفائدة على الثقافة والمثقفين.

روح التنافس

وعلى العكس قال الناقد المسرحي فهد ردة الحارثي: لا أويد ذلك، المراكز الثقافية المتعارف عليها عالمياً هي مبان تضم قاعات المسرح والتدريب والمحاضرات والأمسيات ومعارض الفنون التشكيلية والنحت وخلافه وهي مقرات مجهزة تستضيف فعاليات جهات مختلفة ثقافيا واجتماعيا ولها برامج توضع لتظل على عملها وفقاً لقاعدة ترتيب المباني واستضافة الفعاليات أي انها جهة غير منتجة للعمل الثقافي والفني.. وجود الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون أمر يدعم برامج هذه المراكز لكنه لا يقوم بعملها ووجود الجمعية والأندية يخلق حالة من تنافسية العمل وإيجاد فرص مختلفة لا تنحصر في جهة واحدة، لذلك اؤيد تماما وجود هذه المراكز وهي مهمة كمبان وتجهيزات لخدمة كافة الفعاليات لكن لست مع الذهاب لدمج أو إلغاء، نحتاج منابر مختلفة تقدم العمل الفني والإبداعي والثقافي والأدبي ولسنا في حاجة لحصرها في مكان واحد قد يقتل روحها الابداعية للتنافس وتقديم الفعاليات المختلفة المتنوعة.

جمع الشتات

القاصة مسعدة اليامي عضو نادي نجران الأدبي سابقاً قالت: نعم أؤيد، لأن في ذلك جمع شتات العمل الثقافي تحت سقف واحد يستفيد منهُ المثقف والمبدع، والعمل بحد ذاتهِ بين الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافية والفنون عمل تكاملي ودور المراكز الثقافية سيكون من خلال ذلك أكثر وضوحا وفائدة من الناحية الثقافية والمادية فبدل أن يكون لكل مؤسسة ميزانية خاصة تكون لها ميزانية مشتركة، ولن يكون ذلك إلا من خلال عمل منظم، ومحقق للتنوع الثقافي، وذلك البناء عندما يكون محكما فهو سيخدم المواهب، ويعود عليها بالكثير من التغذية الثقافية المتباينة فيشتد عُودهُ الثقافي.

ليست الحلّ

الكاتب والأديب خلف سرحان القرشي قال: أذكر أنه منذ أكثر من عشر سنوات، يثار بين الحين والآخر كلام عن مراكز ثقافية تقام في المدن تكون في مقر واحد يشمل النادي الأدبي وفرع جمعية الفنون.

وأذكر أيضا (إن لم تخني الذاكرة)، أن معالي وزير الإعلام آنذاك الدكتور إياد مدني والدكتور عبدالعزيز السبيل وكيل الوزارة حينها تحدثا أو صرحا بشيء من هذا القبيل. وإلى الآن لم يتم شيء من ذلك لأسباب لا أعلمها.

وعموما فكرة إنشاء مراكز ثقافية كبرى أمر جميل، وحافز لتحريك شيء من ركود العطاء الثقافي الحالي كما ونوعا.

ولكنها أي (المراكز الثقافية) ليست المخلص من حالة السقام المتغلغل في وسطنا الثقافي، والذي بلغ به الحالة أن يقيم نادي أدبي ندوة عن المخاطر الاستثمارية والمالية، وآخر دورة في الادارة، وثالث محاضرة عن مرض (التوحد)..... الخ.

في دول أخرى ذات ميزانيات متواضعة، تجد في المدينة الواحدة عدة مقار متواضعة يزاول في كل منها أنشطة ثقافية وفنية مختلفة لها وقعها وأثرها، ولعل (تونس) نموذج في هذا الجانب. مشكلة الثقافة والفنون لدينا ليست في المراكز والمقار، ولكن في مراكز القرار.

تجديد وتطوير

ويؤكد القاص محمد الراشدي تأييده للمراكز الثقافية بقوله: أعتقد جازما أن أي مثقف جاد سيؤازر حتما أي شكل من أشكال التجديد والتطوير في أداء المؤسسات الثقافية، بغض النظر عن مسمياتها أو الجهات التي تنتمي إليها، وبالتالي فما المانع أن يعاد النظر في القائم من مؤسسات الثقافة حاليا، والموزعة بين اﻷندية اﻷدبية وجمعيات الثقافة، ثم ينظر في إمكانية الدمج بينها في مراكز ثقافية ذات طابع شمولي ووفق توزيع عادل يمكن لسائر جهات الوطن اﻹفادة منه.

وليس ذلك هضما لمنجز اﻷندية أو الجمعيات خلال عقود مضت، لكن ﻷن منطق اﻷشياء، وتحولات الحياة تقتضي التغيير لمواكبة زمن مختلف عن ذلك الذي نشأت فيه تلك المؤسسات وناضلت بجهود وافرة وحققت حضورا يستحق الإشادة وآن بعده الوقت أن تخضع لهيكلة جديدة وفق معطيات زمن مختلف.

وحتى لو لم تكن المراكز الثقافية هي الخطوة القادمة فإن نفض الغبار وتجديد التالد من لوائح وآليات أداء تلك المؤسسات بات ضرورة مرحلة سواء جرى دمجها أو بقيت منفصلة قائمة بمهامها وأدوارها.

أدوار مختلفة

ويقول الروائي عبدالله النصر: في العام 1425هـ عندما شاركت في ملتقى حلب للقصة القصيرة جداً، وزرت بعض المراكز الثقافية في سورية، علمت بأنها أفضل من الأندية، وقد اقترحت من خلال جريدة "اليوم" هذا الأمر، إذ اني وجدتها لا تقتصر فقط على مراكز المدن، وإنما تمتد لتشمل القرى النائية، والأحياء البعيدة، حيث إنها تلعب أدواراً مهمة أكبر من الأندية التي تختص فقط بالأمور الأدبية إلا ماندر، فالمراكز شاملة بمختلف الثقافة، حيث تعمد إلى التعريف بثقافة البلد كاملة وتقديمها بصور شتى إلى الجمهور بشتى أطيافه، والعكس صحيح أيضاً، إن المراكز جسور أساسية في منظومة لعبة حوار الحضارات التي يطالب بها الفرد. كما أن لها دوراً أساسياً في تزويد الشاب بمعلومات حول ضرورة الحاجة إلى التغيير، واتخاذ القرار، وتنمية التفكير، وإتاحة الإمكانيات الثقافية التعليمية والتدريبية لتنفيذ ما تـتطلبه التنمية من برامج، كما أنها هي الحاضن الرئيس للأنشطة الثقافية وتعنى بالدروس والدورات و المحاضرات والندوات واللقاءات الثقافية والأدبية والعروض الثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، والقيام بالمهرجانات والاحتفالات الثقافية المختلفة لزيادة التفاعل ولزيادة استقطاب مختلف شرائح الجمهور بشتى مستوياتهم العمرية.

استنساخ التجربة

ويوضح الكاتب رشيد الصقري أنه مؤيد لفكرة ضم الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون والمكتبات تحت مسمى مركز ثقافي له إدارة معينة ولجنة ثقافية تعد البرامج.. موضحا أن السبب هو نجاح المراكز الثقافية في البلاد العربية، ويمكن استنساخ التجربة.. فالفنون مرتبطة مع بعض سواء كانت تعبيرية أو تصويرية وارتباطها يقوي الهدف المنشود.. كما أن إقحام المثقف في إدارة المؤسسات الثقافية، تبعده عن الإبداع وتقربه من دائرة المجاملات والصراعات..

الشكل والمضمون

ويرى القاص أحمد بن موسى آل محرق أن علينا في بادئ الأمر الخروج من دائرة المسمى (أندية أدبية، مراكز ثقافية) إلى ماهو ابعد من ذلك وصولا إلى الدور الذي ستقوم به المراكز الثقافية والأندية الأدبية لتكون اوسع لمفهوم الأدب والثقافة، سواء من ناحية آليات العمل الثقافي وتطوير البرامج والفعاليات والأنشطة المنبرية لكي تلعب دورا أساسيا في توسيع نطاق التجارب في تطوير العمليات المعرفية والتثقيفية وتبني طرق ذات سقف عال للعمل والإنجاز في كافة المجالات والنشاطات الأدبية والثقافية، لنشر الوعي العلمي، المعرفي الثقافي، اجتماعي، فكري مع البعد عن التكرار والنمطية مع إبراز المواهب باتباع مناهج مهارات التفكير العلمي وثقافة الإبداع والمعارف ليستفيد من مواهب الشباب لكونهم الأساس في التنمية الشاملة، وذلك بالمرونة لمواكبة التطورات المتسارعة المنبثقة عن الثقافة.

ففي حال تحققت هذا الأهداف فحتما ستكون الأدوار تكاملية في عمل حراك ثقافي يشمل الأدب والثقافة لأنهما صنوان في تشكيل ملامح المجتمع وتحقيق التكامل الثقافي والأدبي.

اليوم