اختلفت التصورات والرؤى بين المحاضرين والحضور، في أمسية اقامها نادي الشرقية الأدبي مساء أمس الأول الأربعاء تحت عنوان "أزمة التصنيف الفكري وآثاره الاجتماعية"، وشارك فيها كل من الدكتور مسفر القحطاني والكاتب نجيب الخنيزي، ودار النقاش بعد الأمسية في أكثره، حول صحة أن يكون التصنيف الفكري أزمة في حدّ ذاته، حيث ذهب بعض الحضور إلى أن التصنيف ليس أزمة في حدّ ذاته مما دعى مدير الأمسية الكاتب محمد العصيمي إلى ختم الأمسية بالدعوة إلى الاستمرار في طرح ومناقشة هذا المفهوم حتى يتضح للنخب قبل غيرهم.

وابتدأ العصيمي الأمسية بمقدمة، قال فيها: "لا غرابة أن يأخذ "التصنيف الفكري" صيغة الاهتمام في زماننا، أي أن له قادته وتابعيه، بعد أن بلغ من الحضور الديني والسياسي والاجتماعي شأنا هائلا.

الغريب في مذهب التصنيف، دون غيره من الهويات، أنه يوجد من المنتسبين إليه، متطرفون أو متشددون دينيون، كما يوجد متطرفون ليبراليون أو علمانيون أو قوميون. الضحية الكبرى لمذهب التصنيف هي الإنسان أولا والمواطنة ثانيا".

وأكد الدكتور مسفر القحطاني، في ورقته على الجانب الأخلاقي والتربوي، ودعا إلى تعميقه في المجال الفكري، وتساءل القحطاني: «هل التصنيف أزمة مفتعلة أم أزمة فاعلة؟ مبينا أن الأمر الفاعل هو نتيجة لسيرورة اجتماعية، أما المفتعلة فهي أزمة ستتمدد لأن وراءها أيدي من خارجها تعمل على استمرارها، الفاعلة قد تكون مفيدة ومثرية للحوار، أما المفتعلة فتدور حول مشكلة لا تستحق، وقسم الافتعال في دوافعه إلى ديني وسياسي، فالديني يحول أي اختلاف بسيط إلى أمر يصفي من خلاله الآخر، ويحول الاختلاف السائغ إلى سيف عقيدة مسلّط على الآخر المختلف، أما السياسي فيفتعل المشكلات لكي يخلق اصطفافات يقدم من خلالها مشاريعه.

ولكنه إذا تحول إلى تخوين وإلغاء للآخر، وهو ما يكثر في الساحة العربية مع الأسف ويصل إلى استعداء السلطة ضد الآخر عند وجود الاختلاف.

كما تناول القحطاني ملمحا آخر لشكل النزاع الفكري، الذي وصفه بـ "الطفولي" وهو تناول الأشخاص بدلا من الأفكار، فيبقى الاستهداف للفكرة سطحيا.

وختم القحطاني مؤكدا، أن من يملك الأفكار القاتمة قد لا يملك أدوات تنفيذها، ولكن حين يأتي من يملك أدوات تحويل الأفكار الخالية من أخلاقيات الاختلاف الفكري إلى رصاصات فستحدث حادثة الدالوة وأمثالها.

وقال الكاتب نجيب الخنيزي في ورقته: إن الموضوع متشعب ومرتبط بقضايا مفاهيمية وحقوقية وإنسانية، مبينا أن التصنيف الفكري في المجتمعات المتطورة أمر طبيعي وليس أزمة، وأوضح أن الأزمة أكثر شمولا وهي أزمة بنيوية مركبة من جوانب ثقافية وفكرية وسياسية، وحين نقول "أزمة" فهذا يستبطن حالتي الإقصاء والتكفير وهذا يشمل المنطقة العربية ومنها بلادنا.

وركز الخنيزي في ورقته على مصطلح "العنف الرمزي" وقال: ليس هناك جدار الصين بين التطرف والإرهاب وبين العنف الرمزي، فهو يمثل الحاضنة الأيديولوجية والاجتماعية له. وأضاف: علينا التفريق بين العنف في الحروب الأهلية وبين مقاومة المحتل من جهة، وبين التطرف المتعلق بالجماعات الإرهابية التي رغم ما لحق بها من ضربات إلا أنها لا تزال مصممة على تنفيذ أهدافها.

وأوضح الخنيزي أن الغرب هو أكثر قدرة على محاصرة الإرهاب بسبب إمكاناته، أما المنطقة الإسلامية فلا يزال الإرهاب يستهدف فيها إضعاف الأنظمة وإشعال الحروب الأهلية، حتى أصبح العنف نسقا متكاملا، وتساءل عن المسؤول عن العنف، ومع أهمية الحل الأمني إلا أنه لا يكفي لاجتثاث جذور الإرهاب، حيث ينبغي تشخيص مكوناته وتأثيره في الشباب.

وأكد الخنيزي أن التطرف يبدأ فكرا منغلقا في قنوات التحريض ومواقع التواصل، والقطع من الجذور يعني الاعتراف بوجود المشكلة أولا.

وفي جانب من المداخلات، قال الروائي عبد الله الوصالي: إن الخنيزي تحدث عن معالجة الإرهاب وأن التصنيف أزمة وأنا أتفق معه، وذكر أن القحطاني تحدث عن أمور كثيرة لكنه أغفل الحديث عن عدم فعالية المجتمع الذي يمتلك القدرة على امتصاص كل عناصر التحريض وانتقد العنوان مبينا أن الحديث عن "التصنيف" في حد ذاته يخلق أزمة.

وقال الكاتب محمد الخفاجي: إنه يجب ربط التصنيف بالإقصاء، فالعامة يريدون معلومات سهلة وحين يتم اطلاق وصف علماني أو ليبرالي، فإن هذا ما يريدونه تماما، أما الدكتور مبارك الخالدي فقد اتفق مع الخنيزي في أنه ليس هناك مشكلة تسمى "أزمة تصنيف"، فهي حالة طبيعية، والإنسان إما أن يصنفه الآخرون أو أن يصنف نفسه، هناك أزمة ثقافية في الأساس، وهناك مجانسة قسرية غير طبيعية.

صحيفة اليوم